القذافي … والخيار الشمشوني !
علي الفزاني
تتلخص قصة " شمشون " في أنه شخصية يهودية وكان صاحب قدرات جسدية خارقة مكنته من الانتصار في كل موقعه على أعدائه، وقد تركزّ سرّ قوته في شعر رأسه الذي لم تمسه موس الحلاقة منذ ولادته. غير أن أعداءه تمكنوا من اسره ، بعد أن عرفوا سرّ قوته ، وحلقوا شعر رأسه، وقاموا أيضاً بقلع عينيه. لم يجد شمشون من طريقة للإنتقام بها من أعدائه الذين كانوا قد تجمعوا حوله في بيت عظيم، إلا أن يستخدم ما بقى لديه من قوة جسدية في هدم ذلك البيت بالاتكاء على الاعمدة التى كان البيت قائما عليها مردداً " على وعلى أعدائي يارب " فكان ان مات شمشون ومات معه عدد هائل من أعدائه . منذ ذلك التاريخ السحيق أصبحت هذه العبارة مثلاً يضرب لمن يلجئه اليأس في الانتصار على اعدائه ان يختار هذا الاختيار الذي يكون هو أول ضحاياه.
في ذكرى المولد النبوي الشريف الموافق للخامس عشر من أبريل 1973 ، وبينما كان أعضاء "مجلس قيادة الثورة " يتوقعون من القذافي - وفقاً لإتفاقه معهم – أن يعلن في الخطاب الذي سيلقيه في مدينة "زوارة" استقالته واستقالة " مجلس قيادة الثورة " وعودتهم إلى ثكناتهم العسكرية ، إذ به يفاجئ الجميع ويعلن بدلاً من ذلك قيام ما أطلق عليه " الثورة الشعبية " .. وكان من بين ما جاء في ذلك الخطاب:
"… على أي حال نحن بإسم الحرية وبإسم الديمقراطية وبإسم الثورة ترددنا حتى في الدفع الثوري… المخابرات العامة هذه كل دولة في العالم عملتها ، حتى سيدنا محمد كان عاملها … هل نسمح بالحرية بهذا الشكل على حساب الشعب ؟ … أنا أرى أن هناك من يريد ترك الحبل على الغارب بإسم الحرية والديمقراطية ، وأنا لم أفهم الحرية والديمقراطية التى يتكلم عليها الناس المرضى، وأنا غير قادر على قيادة البلد في طريق حرية غامضة لا أعرفها.. معنى هذا أن الثورة مهددة ، ولا استطيع أن أتحمل مسؤولية ثورة مهددة من أشياء خارجة عن ارادتي .. إن الثورة التى أمضيت عشر سنوات وأنا أعيش على كف عفريت من أجلها ، أراها مهددة بطريقة لا أسمح بها أبداُ وأنا موجود .."[1]
وبعد أن يتظاهر القذافي في الخطاب ذاته بأنه يخيّر الليبيين متسائلا:
" إذا كنتم تريدون الاستممرار في الثورة … إذا كنتم نريد أن نستمر ؟! "
لا يترك له – ولو شكليا – فرصةالاجابة على تساؤله المفتعل فيسارع الى تقديم إجابته على التساؤل متمثلة في وصفة الثورة الشعبية بنقاطها الخمس ، ومعها تهديدُ واضح تمثل في العبارات التالية :
" وعليه سنبدأ ثورة … والذي يريد أن يمضى معنا يمضى ، والذي ليس معنا يبقى تحت الاقدام … والذي يتخلف ندوسه بالاقدام .. ومن يريد ان يقف أمام الثورة فعليه أن يعرف أن الثورة ستقود مثل ليلة الفاتح من سبتمبر 1969 تماماً هذا اللقاء [ في ازوارة ] ليس كبقية اللقاءات التى التقينا فيها ، ولكنه لقاء من نوع جديد وفريد ، لقاء يشبه لقاء الضباط الوحدويين الأحرار عندما التقوا على تفجير الثورة .."
وصفة " الثورة الشعبية " المزعومة التى أعلنها القذافي في ذلك الخطاب اشتملت على ما عُرف بالنقاط الخمس التى تممثلت في :
· تعطيل كافة القوانين التى كان معمولاُ بها .
· تطهير البلاد من جميع الحزبيين ( الذين وُصفوا في الخطاب بالمرضى).
· الحرية كل الحرية للشعب ولا حرية لإعداء الشعب (والتى تمثلت في زج النخبة في السجون والمعتقلات)
· إعلان الثورة الإدارية .
· إعلان الثورة الثقافية .
وبصرف النظر عن العبارات التى اختارها القذافي للتعبير عن ثورته الشعبية المزعومة، فإن الوقائع والشواهد تثبت أن القذافي استهدف من وراء إعلانها توجيه " ضربة إستباقية " إلى كافة خصومه من داخل " مجلس قيادة الثورة " ومن خارجه على امتداد الشارع الليبي، وفي مقدمتهم نُخبه السياسية والمثقفة وأصحاب التوجهات الفكرية والحزبية وقد اخذت تلك الضربة شكلين ، تمثل أولهما في الهجمة القمعية الشرسة التى طالت الاف المواطنين من طلاب وكتاب وشعراء واساتذة جامعات ومحامين واطباء ومهنيين ، حيث شرعت أجهزة النظام الامنية في تنفيذ أول حملة لها من نوعها وقامت ، فور انتهاء القذافي من خطابه، بالزج بهؤلاء في المعتقلات والسجون بمختلف المدن الليبية ( لم يغادر بعضهم المعتقل ابداً ) أما الشكل الثاني لتلك الضربة فقد تمثل في إغراق البلاد وجميع مؤسسات الدولة ومرافقها ( التى كانت قائمة يومذاك ) في دوامة "فوضى دائمة وعارمة " ظل الجميع اسرى لها حتى يومنا هذا.
ماهي مصادر " التهديد " الذي تحدث عنه القذافي والذي دفعه الى القيام بتوجيه ضربته الاستباقية أو ثورته الشعبية كما يحلو له أن يسميها والتي وصفها في خطابه الذي القاء بطرابلس يوم 10 أبريل 1976 بأنها " مثل فتح مكة تماماً "؟!
يمكن للمتابع لإحوال النظام الانقلابي في تلك السنوات الأولى من عمره المشؤوم على ليبيـا أن يضع يده على الوقائع التالية وأن يدرجها كمصادر للتهديد الذي تحدث عنه القذافي في خاطابه يوم 15 أبريل 1973 :
أولا : ظهور الخلافات والصراعات الحادة بين القذافي وبين معظم أعضاء " مجلس قيادة الثورة[2] "، ومقتل أحد أعضائه ( النقيب أمحمد أبوبكر المقريف ) يوم 21/08/1972 في حادث سيارة مدبر من قبل القذافي [ فضلاً عن مقتل عدد من ضباط التنظيم خلال عام 1970 في ظروف مشبوهة من بينهم النقيب عطية موسى الكاسح والنقيب أمحمد أحمد الحاراتي ]. فضلاً عن تعاظم إصرار الاعضاء على القذافي بضرورة العودة بالبلاد إلى أوضاعها الطبيعية وإعلان دستوردائم للبلاد وتقديم استقالاتهم وتخلّيهم جميعاُ (بمن فيهم القذافي) عن السلطة[3] وقد أدى استفحال الخلاف بين القذافي وبين عدد كبير منهم إلى تقديم أثنين منهم (الرائد محمد نجم والرائد مختار القروي) استقالتيهما من عضوية المجلس، كما أدى من جهة أخرى إلى اضطرار القذافي للإختفاء من المسرح السياسي ، والتظاهر بتقديم استقالته اكثر من مرة [4] . وقد ترتب على ذلك كله أن توقف " مجلس قيادة الثورة " عن الاجتماع وعن ممارسته لإختصاصاته بشكل جماعي لمدة طويلة .[5]
ثانيا : وقوع عدة محاولات انقلاب عسكرية وعدد من المحاولات على حياة القذافي خلال فترة قصيرة من عمر الانقلاب ( محاولة وزيري الدفاع والداخلية المقدمين آدم الحواز وموسى أحمد في مطلع ديسمبر 1969 ومحاولة ضابط الصف التومي بالرأس على سبتمبر 1969 ومحاولة ضباط الصف 1969 ومحاولتى سبها والابيار في صيف عام 1970 ).
ثالثا : تصدى الطلاب وأساتذة الجامعة الليبية في طرابلس و بنغازي للتوجهات الاستبدادية التى أخذت تظهر على القذافي ورجال انقلابه . من ذلك ما حدث :
· خلال اجتماع القذافي بطلبة كلية الحقوق في بنغازي (1971).
· مقاطة الطلاب للإجتماع الذي كان القذافي ينوي حضوره في مدينة بنغازي للمشاركة في الاحتفال بذكرى شهداء الحركة الطلابية ( يناير 1971 ).
· خلال اجتماع القذافي بأعضاء هيئة التدريس بالجامعة الليبية في مدينة طرابلس يوم 26/02/1972.
· خلال اجتماع القذافي بطلبة وطالبات الجامعة يوم 5 مارس 1973 بالمدينة الرياضية في بنغازي بحضور عدد من الكتاب والصحفيين العرب .
رابعاً : الاحتجاج الصاخب الذي عبّرت عنه جماهير مدينة بنغازي إزاء عجز النظام الانقلابي عن الانتقام لحادث طائرة الركاب الليبية التى اسقطتها المقاتلات الاسرائيلية فوق سماء سيناء يوم 21 فبراير 1973 وذهب ضحيتها أكثر من مائة شهيد.
خامسا : ظهور العزوف الشعبي عن المشاركة في تجربة الاتحاد الاشتراكي التى كان القذافي قد طرحها منذ 11 يونيو 1971 كتنظيم سياسي وحيد في البلاد، وظهور مؤشرات وبوادر فشل تلك التجربة والتى كان من ابرزها قرار القذافي بتأجيل انعقاد المؤتمر العام الثاني للإتحاد الاشتراكي عن موعده الذي كان مقرراُ في 28 مارس 1973 إلى نوفمبر 1974.
سادسا : ظهور الرفض والتذمر وتناميه في أوساط المثقفين وأصحاب التوجهات الفكر
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ